مثل استحالة دخول الكفار الجنة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول، أما بعد
فإن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه دل ذلك على تأكيد المنع، فكذلك الكفار مستحيل دخولهم الجنة، و هذا مثل ضربه الله جل و علا مبينا فيه ذلك
يقول سبحانه و تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ 40 } -الأعراف
و قد اختلف السلف في قراءة قوله تعالى {حَتَّى يَلِجَ الجمل}. فمنهم من قرأها {الجَمَلُ} بفتح الجيم و الميم، و منهم من قرأها {الجُمَّلُ} بضم الجيم و تشديد الميم
يقول الطبري في - تفسيره / ج 10 ص 188 ـ 190
فأما الذين قرؤوه بالفتح من الحرفين والتخفيف، فإنهم وجهوا تأويله إلى "الجَمَل" المعروف، وكذلك فسروه
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: "الجمل"، زوج الناقة
حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا قرة قال، سمعت الحسن يقول: "الجمل"، الذي يقوم في المِرْبَد(1)و
حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: حتى يدخل البعير في خَرق الإبرة
حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حَصِين (أو: حُصَين)، عن إبراهيم، عن ابن مسعود في قوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط)، قال: زوج الناقة، يعني الجمل." اهـ
ذكر من قرأها {الجُمَّلُ} بضم الجيم و تشديد الميم
يقول الطبري في - تفسيره / ج 10 ص 193 ء 194
" حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة، عن عكرمة، في قوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، قال: الحبل الغليظ في خرق الإبرة
قتادة بن دعامة، ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين، وهي التي لا يقبل حديث أصحابها إلا إذا صرحوا بالسماع. إلا أنه قد وافق مجاهدًا في تفسير الآية
يقول الطبري
" حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، قال: حبل السفينة في سمّ الخياط
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: سمعت مجاهدًا يقول: الحبل من حبال السفن
يقول الطبري رحمه الله: " وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في "الميم" ويقول: إنما أراد الراوي "الجُمَل" بالتخفيف، فلم يفهم ذلك منه فشدّده. وحدثت عن الفراء، عن الكسائي أنه قال: الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا." اهـ
و هذا المثل البديع، ضربه الله تعالى ليبين أن أهل النار المكذبين بآيات الله، لا يدخلون الجنة حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما، أو حبل السفينة(2) الذي هو من أغلظ الحبال، في خرق الإبرة الذي هو من أضيق الأشياء، و هذا من باب تعليق الأشياء بالمحال
يقول البغوي في - تفسيره
"والمراد منه: أنهم لا يدخلون الجنة أبداً لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع، كما يقال: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب أو يبيض القار. يريد لا أفعله أبداً." اهـ
و قال الشنقيطي في - أضواء البيان
" إن العرب تعلق المستحيل على الشيء الذي لا يمكن حدوثه، كقولهم:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب
والغراب لا يشيب أبدا ، والقار لا يصير لبنا أبدا " اهـ
فكذلك المكذبون بآيات الله محال دخولهم الجنة. نسأل الله السلامة و العافية
هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
ــــــــــــــــــ
المربد: هو المكان الذي تحبس فيه الإبل، ويقال (مربد الغنم) أيضًا-
يقال له القلس، وهو حبال مجموعة، جمع جُمَلَة؛ قاله أحمد بن يحيى ثعلب. ـ تفسير القرطبي