مثل الحق والباطل

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و بعد
فقد خرج الطبري في " تفسيره " بسنده إلى قتادة أنه قال في قوله تعالى ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قال: " فهذا مثل، فاعقلوا عن الله جلَّ و عزَّ أمثاله؛ فإن الله قال وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ
يقول الله تعالى ذكره ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ 17 ﴾ - الرعد
و هذا مثل ضربه الله للحق و الباطل، فتأمل فيه يا رعاك الله، يتضح لك ما ينتهي إليه كل من الحق و الباطل ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ و هذا من أعظم السلوى لأهل الحق
يقول الطبري في - تفسيره / ج 13 ص 501
حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، الصغير بصغره، والكبير بكبره (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) أي عاليًا (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء) و " الجفاء ": ما يتعلق بالشجر. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
هذه ثلاثة أمثال ضربَها الله في مثلٍ واحد. يقول: كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينتفع به ولا تُرْجى بركته، كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد، وكما مكث هذا الماء في الأرض، فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض، فأخرج الله به ما أخرج من النبات قوله: (ومما يوقدون عليه في النار) الآية، كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق لأهله قوله: (أو متاع زبد مثله) ، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذي ينتفع به فيه منافع. يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبَثه، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما ." اهـ
يقول ابن القيم في - الوابل الصيب ص 70-71
فهذا المثل الذي ضربه الله تعالى، مثل مائي كناية عن الوحي الذي أنزله لحياة القلوب، بالماء الذي أنزله من السماء. وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل
فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماءً كثيرا، و قلب صغير كواد صغير يسع ماءً قليلا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها، و لمَّا كانت الأودية و مجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبدا عاليا، و يمر عليه متراكبا، و لكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى منه شيء، و يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي به الله الأرض، فيحيي به العباد و البلاد و الشجر و الدواب؛ و الغثاء يذهب جفاء يجف و يُطرح على شفير الوادي
فكذلك العلم و الإيمان الذي أنزله الله من السماء في القلوب، فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات و زبد الشبهات الباطلة، فطفا في أعلاها، و استقر العلم و الإيمان و الهدى في جذر القلب و هو أصله و مستقره كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: "نزل الإيمان في قلوب الرجال" رواه البخاري من حديث حذيفة(1). فلا يزال ذلك الغثاء يذهب جفاءً و يزول شيئا فشيئا حتى يزول كله، و يبقى العلم النافع و الإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون و يسقون و يزرعون
و في الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه و سلم قال: " مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى و العلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس و زرعوا، و أصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به فعلم و علّم، و مثل من لم يرفع بذلك رأسا ، و لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به
ثم ضرب الله سبحانه و تعالى مثالا ثانيا و هو المثل الناري، هو كالحديد و النحاس و الفضة و الذهب و غيرها، فإنها تدخل الكير، لتمحص و تخلص من الخبث، فيخرج خبثها فيرمى به و يطرح، و يبقى خالصها فهو الذي ينفع الناس." اهـ
و قال رحمه الله في - بدائع الفوائد ص 1213
الوجودُ بحرٌ، و العلماء جواهرُه، و الزُّهَّادُ عَنبرهُ، و التُّجَّارُ حِيتانُه، و الأشرارُ تماسِيحُه، و الجُهَّالُ على ظهره كالزَّبَدِ. اهـ
و قد علمت مصير الزبد، فأبشر
هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
ــــــــــــــــ
ـ1 أخرجه البخاري في صحيحه (6497) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حديثَينِ، رأيتُ أحدَهما وأنا أنتظر الآخرَ : ( أنَّ الأمانةَ نزلت في جذرِ قلوبِ الرجالِ، ثم علموا منَ القرآنِ، ثم علموا منَ السنةِ ) ... – الحديث