مثلٌ ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله وبعد،
يقول رب العزة { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوِينَ 175 وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ
يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 176 سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ أَنْفُسَهُمْ
كَانُوا يَظْلِمُونَ 177 } [الأعراف]
يقول ابن أبي حاتم في " تفسيره / ج 5 ص 1617 ":
" 8548 ـ حدثنا محمد بن يحيى، ثنا العباس، ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا
} قال: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه." اهـ
يقول الطبري في " تفسيره / ج 10 ص 566 ":
" حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: إن الله لما انقضت الأربعون سنة ـ يعني التي قال الله فيها {
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً } [المائدة:26] ـ بعث يوشع بن نون نبيًّا، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبَّارين، فبايعوه وصدَّقوه. وانطلق
رجل من بني إسرائيل يقال له: "بلعم" وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر، وأتى الجبارين، فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون ! وكان عندهم فيما شاء
من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ، فكان ينكح أتانًا [الأتان: أنثى الحمار] له، وهو الذي يقول الله: { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ
مِنْهَا }: أي تبصَّر، فانسلخ منها، إلى قوله: { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ } .
حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا } قال: كان لا يسأل الله
شيئًا إلا أعطاه.
حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: { فَانْسَلَخَ مِنْهَا } قال: نزع منه العلم.
حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: { وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }، لرفعه الله تعالى بعلمه.
حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }، : لدفعناه عنه.
حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: { وَ لَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا }، بتلك الآيات.
حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أخلد ": سكن.
حدثنا موسى قال: حدثا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: { وَ لَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ }، أما { أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ } : فاتبع الدنيا،
وركن إليها.
وأما قوله: { وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ }، فإن ابن زيد قال في تأويله، ما:
حدثني به يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ} قال: كان هَواهُ مع القوم. " اهـ
يقول ابن القيم في كتابه " الأمثال ":
" ومنها أنه سبحانه قال { ولو شئنا لرفعناه بها } فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا [يعني: بلعم] كان من
العلماء ، وإنما هي باتباع الحق و إيثاره وقصد مرضاة الله تعالى. فان هذا كان من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به، فتعوذ بالله من علم لا ينفع. وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا
شاء بما آتاه الله من العلم وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا، فإن الخافض الرافع الله سبحانه، خفضه ولم يرفعه.
والمعنى ولو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه. قال ابن عباس رضي الله عنهما ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها وقالت طائفة الضمير في قوله لرفعناه
عائد على الكفر والمعنى ولو شئنا لرفعناه عن الكفر بما معه من آياتنا قال مجاهد وعطاء لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه. وهذا المعنى حق والأول مراد الآية وهذا من لوازم المراد وقد تقدم أن السلف كثيرا
ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها.
وقوله { ولكنه أخلد إلى الأرض } قال سعيد بن جبير ركن إلى الأرض وقال مجاهد سكن وقال مقاتل رضي بالدنيا وقال أبو عبيدة لزمها وأبطأ والمخلد من الرجال هو الذي تبطئ مشيته
ومن الدواب الذي تبقى ثناياه إلى أن تخرج رباعيته وقال الزجاج خلد وأخلد واحد وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء يقال فلان أخلد ولاذ بالمكان إذا أقام به. قال مالك بن نويره بأبناء حي من قبائل مالك
وعمرو بن يربوع أقاموا وأخلدوا
قلت ومنه قوله تعالى { يطوف عليهم ولدان مخلدون } أي قد خلقوا للبقاء لذلك لا يتغيرون ولا يكبرون وهم على سن واحد أبدا وقيل المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم
وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمه وذلك إشارة إلى التخليد على ذلك السن فلا ينافي القولين
وقوله { واتبع هواه } قال الكلبي اتبع مسافل الأمور وترك معاليها وقال أبو روق اختار الدنيا على الآخرة وقال عطاء أراد الدنيا وأطاع شيطانه وقال ابن زيد كان هواه مع
القوم يعني الذين حاربوا موسى عليه الصلاة والسلام وقومه وقال يمان اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعله.
فإن قيل: الإستدراك بلكن يقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها أو ينفي ما أثبت كما تقول لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه ولو شئت لما فعلت
كذا لكني فعلته فالاستدراك يقتضي ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ أو فلم نرفع ولكنه أخلد فكيف استدرك بقوله ولكنه أخلد إلى الأرض بعد قوله ولو شئنا لرفعناه بها ؟
قيل هذا من الكلام الملحوظ فيه المعنى، المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني: وذلك أن مضمون قوله ولو شئنا لرفعناه بها أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه
بالآيات من ايثار الله ومرضاته على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه.
وقال الزمخشري المعنى: ولو لزم آياتنا لرفعناه بها فذكر المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه قال ألا ترى إلى
قوله ولكنه أخلد فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن تكون ولو شئنا في معنى ما هو فعله ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ.
فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري ناف للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليا قدريا.
فأين قوله { ولو شئنا } من قوله ولو لزمها. ثم إذا كان اللزوم لها موقوفا على مشيئة الله وهو الحق بطل أصله، وقوله إن مشيئة الله تابعة للزومه لآياته، تابعة لمشيئة الله
عز وجل. فمشيئة الله سبحانه متبوعة لاتابعة وسبب لا مسبب وموجب مقتضي لا مقتضى فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده " اهـ
فانتبه إلى هذه النكتة الدقيقة التي دلك عليها الإمام ابن القيم ما أنفعها، رحمة الله عليه
فمشيئة الله جل و علا لا تكون إلا كونية، بخلاف الإرادة (كونية و شرعية)، و إذا جعلت مشيئة الله تابعة لمراد العبد فهذا نفي لمشيئته جل في علاه و هذه زندقة مكشوفة.
فمشيئة الله لا تكون إلا متبوعة، فما شاءه الله كان و ما لم يشأه لم يكن، قال سبحانه و تعالى { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }
يقول ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (المجلد 16):
" في قوله تعالى: { وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [التكوير:29]، أخبر أن مشيئتهم
موقوفة علي مشيئته، ومع هذا، فلا يوجب ذلك وجود الفعل منهم ؛ إذ أكثر ما فيه أنه جعلهم شائين، ولا يقع الفعل منهم حتى يشاؤه منهم، كما في قوله تعالى: { فَمَن شَاء ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ
إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ } [المدثر: 55- 56]، ومع هذا، فلابد من إرادة الفعل منهم حتى يريد من نفسه إعانتهم وتوفيقهم " اهـ
و قد سئل الشيخ ابن عثيمين عن تفسير الزمخشري
" فقال بعد أن ذكر(( أنه جيد فيما يتعلق بالمعنى اللغوي)) قال رحمه
الله:
لكنه في الصفات فاحذره، فإنه جيد في سوق الكلام يقودك قيادة الراعي للبهيمة العمياء (وش تعمل البهيمة ؟) تمشي وراءه سواء كان هناك أحجارا أو أنهارا أو نارا أو أي
شيء. لأنه جيد جيد يأخذ باللب.
يقول البلقيني : إن في كتاب الزمخشري من الإعتزاليات، ما لم أستطع أخذه إلا بالمناقيش
هذا المنقاش لا يأخذ إلا الشيء الخفي، فاحذره، احذره في باب الصفات " اهـ
و الله تعالى أعلم
و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم
Commenter cet article