Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
مُدَوَّنَة الْدُّرَر الْبَهِيَّة

التفقه في الأمثال الربانية ::: علم نافع قل من يلتفت إليه‎

24 Août 2013, 18:47pm

Publié par Ghurabae

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نور السماوات و الأرض ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَ لَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. 

و الصلاة على محمد رسول الله و الّذين معه ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ﴾. و سلم تسليما كثيرا.

أما بعد؛ 



قال الله تبارك و تعالى ﴿ وَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَهُمْ يَتَذَكَّرُون ﴾ [إبراهيم]، و قال سبحانه ﴿ وَ لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنَ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورَا ﴾ [الإسراء]، و قال تعالى ذكره ﴿ وَ لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنَ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانٌ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاَ ﴾ [الكهف]، و قال سبحانه و تعالى ﴿ وَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [النور]، و قال جل و علا ﴿ وَ لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآن مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون ﴾ [الزمر].


فبين الله - تعالى ذكره - أنه صَرَّفَ في كتابه لخلقه من كل مثل، لأن في ضرب الأمثال تقريبا للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة، و يتبين المعنى الذي أراده الله غاية البيان، حتّى يتضح المقام و المقصود و يتّعظ به أصحاب القلوب، و يتخذه السائر شعلة تنير له الدرب إلى علاّم الغيوب، الذي كل النعيم الفوز بجنّته، و كل السعادة الظفر بقربه و النظر إلى وجهه تبارك و تعالى.


و الحاصل أننّا إذا مررنا بالآيات القرآنية التي فيها ذكر للأمثلة الربانية، نجد في أنفسنا من الحزن و الحسرة جرّاء عدم فهمها أو عدم معرفة المراد منها. فقدخرج أبو عبيد في فضائل القرآن 63 ـ قال حدثنا حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : " ما أنزل الله عز وجل آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت ، وما أراد بها ". ثم قال حجاج : أو نحو هذا . وأحسبه قال : عن أبي جعفر ، عن عمرو بن مرة قال : " إني لأمر بالمثل من كتاب الله عز وجل ولا أعرفه ، فأغتم به لقول الله عز وجل ﴿ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ ﴾". اهـ 


فمِن رحمة الله بعباده و لُطفه بهم أن ضرب لهم الأمثال لاشتمالها على الحِكم و المواعظ و بيان الحق. فكان الواجب تعقلها و تدبرها و معرفة المراد منها، لا الاعتراض عليها أو احتقار شيء منها. فقد صح عن قتادة في قوله تعالى ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} قال: " فهذا مثل، فاعقلوا عن الله جلَّ و عزَّ أمثاله؛ فإن الله قال ﴿ وَ تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَ مَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ ﴾"(1). و هذا ما امتاز به أهل الإيمان مقارنةً مع أهل الكفر و الطغيان، قال الله تعالى مبينا ذلك ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِم وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاَ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَ مَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِين﴾ [البقرة].


يقول ابن القيم في " بدائع الفوائد ص 1549 ـ 1550 ":
" و هذا جواب اعتراضٍ اعترض به الكفار على القرآن، و قالوا: إن الرّبّ أعظم من أن يذكر الذُباب و العنكبوت و نحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد ء صلى الله عليه و سلم ء كلام الله، لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة. فأجابهم تعالى بأن قال ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، إذا تضمن تحقيق الحق و إيضاحه و إبطال الباطل و إدحاضه كان من أحسن الأشياء، و الحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض.
فكأن معترضا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمة ذلك، فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة، و هي: إضلال من شاء، و هداية من شاء. ثم كأن سائلا سأل عن حكمة الإضلال لمن يُضلُّهُ بذلك، فأخبر تعالى عن حكمته و عدله، و أنه إنما يضل به الفاسقين ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ [البقرة 28]. فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببا لأن أضلهم و أعماهم عن الهدى. " اهـ


قال السعدي في " تفسيره ":
" فيجب أن تتلقى بالقبول و الشكر، و لهذا قال ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِم ﴾ فيتفهمونها، و يتفكرون فيها، فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم و إيمانهم، و إلا علموا أنها الحق، و ما اشتملت عليه حق، و إن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة و نعمة سابقة. ﴿ وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاَ ﴾ فيعترضون و يتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، و لهذا قال ﴿ وَ إِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلىَ رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُون ﴾ [التوبة].
فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، و مع هذا تكون لقوم محنة و حيرة و ضلالة و زيادة شر، و لقوم منحة و رحمة و زيادة خير إلى خيرهم. فسبحان من فاوت بين عباده و انفرد بالهداية و الضلال. اهـ


يقول السيوطي في " الإتقان في علوم القرآن ـ النوع السادس والستون في أمثال القرآن " :
" قال الماوردي : من أعظم علم القرآن علم أمثاله ، والناس في غفلة عنه لاشتغالهم بالأمثال وإغفالهم الممثلات ، والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام ، والناقة بلا زمام . 

وقال غيره: قد عده الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن ، فقال : ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته ، المبينة لاجتناب معصيته . 

وقال الشيخ عز الدين: إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرا ووعظا ، فما اشتمل منها على تفاوت ثواب أو على إحباط عمل أو على مدح أو ذم أو نحوه فإنه يدل على الأحكام . 

وقال غيره : ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة : التذكير والوعظ ، والحث ، والزجر ، والاعتبار ، والتقرير ، وتقريب المراد للعقل ، وتصويره بصورة المحسوس ، فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس ، ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالمشاهد . 

وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله، قال تعالى : وضربنا لكم الأمثال [ إبراهيم : 45 ]. فامتن علينا بذلك لما تضمنه من الفوائد. 

قال الزركشي في البرهان: ومن حكمته تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة 

قال الزمخشري : التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من الشاهد، فإن كان الممثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان الممثل به كذلك. 

وقال الأصبهاني : لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ، ورفع الأستار عن الحقائق ، تريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن ، والغائب كأنه مشاهد . 

وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة ، وقمع لسورة الجامح الأبيّ ، فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر وصف الشيء في نفسه ، ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه و في سائر كتبه الأمثال ، ومن سور الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال ، وفشت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء . " اهـ


و الله أعلم


هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم



ــــــــــــــــــ
1 ـ خرجه الطبري في تفسيره – حدثنا بشر، قال : ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة به.
Commenter cet article