Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
مُدَوَّنَة الْدُّرَر الْبَهِيَّة

أول ما ينبغي الإعتناء به

24 Août 2013, 17:54pm

Publié par Ghurabae

s.jpg
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و بعدفإن أول ما ينبغي الإعتناء به هو علم التوحيد و ما يضاده من الشرك، فإن أول ما أمر الله به في كتابه إفراده بالعبادة محبة و تعظيما، و أول ما نهى الله عنه الشرك به و اتخاذ الند معه، فقال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾[البقرة:21-22]؛ 

يقول الطبري في "تفسيره": "وكان ابن عباس: فيما رُوي لنا عنه، يقول في معنى" اعبُدوا ربكم ": وحِّدوا ربكم. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا، على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة. والذي أراد ابن عباس إن شاء الله بقوله في تأويل قوله: " اعبدوا ربكم " وحِّدوه، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه"اهــ.

و لهذا تجد أن النبي صلى الله عليه و سلم (كما في كتب السيرة) بقي يدعوا قومه إلى التوحيد و ينهاهم عن الشرك لمدة 10 سنين، لم يأمرهم لا بصلاة و لا بزكاة و لا بصوم و لا بحج. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على عظمة هذا الأمر، أي الأمر بالتوحيد و النهي عن الشرك.

و اعلم رحمني الله و إياك، أن التوحيد هو اعتقاد أن الله:
  • واحد في إلهيته لا ند له.
  • واحد في ربوبيته لا شريك له.
  • واحد في أسمائه و صفاته لا مثيل له.

(1) توحيد الألوهية
و يقال توحيد العبادة، و هو إفراد الله تعالى بكل أنواع العبادة مما يجري على القلب و اللسان و الجوارح

و هذا هو معنى كلمة لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، لأنه توجد معبودات أخر، و لكنها تعبد بالبابطل: فمن توكل على غير الله، أو دعى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله كطلب الرزق و الولد، أو صلى لغير الله أو ذبح لغير الله، فقد أشرك بالله العلي العظيم

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾[النساء:48]

يقول الطبري في "تفسيره":
"وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله".ا.هـ.

و قد ذهب البعض إلى أن معنى ( لا إله إلا الله ) : أي لا خالق و لا رازق إلا الله، و هذا غلط قبيح، لأن الخلق و الرزق هذه من أفعال الله سبحانه لا يقدر عليها سواه، بل حتى كفار قريش الذين بعث فيهم النبي لم ينكروا أن الله هو الخالق الرازق، يقول الله سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[لقمان:25] و قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:61]. و قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:9].

و الآيات في هذا الباب كثيرة، فدل على أن الألوهية (لا إله إلا الله) غير الربوبية (لا خالق و لا رازق إلا الله). و لذلك لما قال لهم الرسول عليه الصلاة و السلام : قولوا لا إله إلا الله، رفضوا و أصروا على شركهم و استكبروا استكبارا. قال سبحانه ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)﴾ [ص:4-8]

يقول الطبري في "تفسيره":
 "يقول تعالى ذكره: وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ) يقول: وقال المنكرون وحدانية اللههذا، يعنون محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ساحر كذّاب.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) يعني محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).

وقوله (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) يقول: وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا: محمد ساحر كذاب: أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا، ويعلم عبادة كل عابد عبدَه منا (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) : أي إن هذا لشيء عجيب.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) قال: عجب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده، وقالوا: يسمع لحاجاتنا جميعا إله واحدما سمعنا بهذا في الملة الآخرة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) قال: ملة قريش".ا.هــ.

و هذه الدعوة (أي: الدعوة إلى "لا إله إلا لله") هي دعوة الأنبياء جميعهم عليهم الصلاة و السلام من لدن نوح إلى آخر نبي محمد بن عبد الله عليه الصلاة و السلام، قال الله تعالى
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء:25]. 
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾[النحل:2].
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل:36]، ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾[فصلت:14].

فإذا علم هذا، اتضح لك أهمية هذا الأمر، بل عبادة الله وحده دون ما سواه هو سبب الخلق، قال تعالى ﴿فَفِرُّ‌وا إِلَى اللَّـهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ‌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ‌ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ‌ مُّبِينٌ (51) كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّ‌سُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ‌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (54)وَذَكِّرْ‌ فَإِنَّ الذِّكْرَ‌ىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِ‌يدُ مِنْهُم مِّن رِّ‌زْقٍ وَمَا أُرِ‌يدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الرَّ‌زَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59)فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)﴾[الذاريات:50-60].

يقول السعدي في "تفسيره":
 "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم".أ.هـ.

(2) توحيد الربوبية:
وهو توحيد الله بأفعاله؛ 
يقول الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه (كتاب التوحيد
): "أفعال الله كثيرة منها: الخلق و الرزق، و الاحياء و الإماتة، و تدبير الملك، و النفع و الضَر، و الشفاء و الإجارة ((يجير و لا يجار عليه))، و إجابة دعوة المضطر، و إجابة دعوة الداعي، و نحو ذلك من أفراد الربوبية. فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله جل و علا. فتوحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله سبحانه، و توحيد الألوهية مأخوذ من أله يأله إلهة و ألوهة إذا عبد مع المحبة و التعظيم، يقال: تأله إذا عبد معظما محباًّ".أ.هـ.

وتوحيد الربوبية، هذا يقر به الجميع إلا من عاند من الملاحدة، و إن كانوا في قرارة أنفسهم يقرون بأن لهذا الكون خالقا مدبرا، ولهذا تجد أن الله تعالى يلزم المشركين المقرين بالربوبية على وجوب إفراده بالألوهية. قال سبحانه كما في سورة النمل ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)﴾[النمل:59-64

 
فإذا أقروا بأن الله هو خالق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، منزل الماء من السماء، جاعل الأرض قرارا، و هو الذي يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ، و هو الذي يَهْدِي فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، فإذا أقرروا بأن الله هو المتفرد بهذا كله، فلماذا يعبدون غيره و يجعلون له ندا

يقول الطبري في "تفسيره": "(أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: أمعبود مع الله أيها الجهلة خلق ذلك، وأنـزل من السماء الماء، فأنبت به لكم الحدائق؟ فقوله: (أَإِلَهٌ) مردود على تأويل: أمع الله إله، (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) يقول جلّ ثناؤهبل هؤلاء المشركون قوم ضلال، يعدلون عن الحقّ، ويجورون عليه، على عمد منهم لذلك".أ.هـ.

(3) توحيد الأسماء و الصفات
و هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن و صحيح السنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها. فالله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.

وأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن و صحيح السنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الأعراف:180]. 

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين (3 /332 - 335):
 "فالإيمان بالصفات، و معرفتها، و إثبات حقائقها، و تعلق القلب بها، و شهوده لها، هو مبدأ الطريق ووسطه و غايته، وهو روح السالكين و حاديهم إلى الوصول، و محرك عزماتهم إذا فتروا، و مثير هممهم إذا قصروا، فإن سيرهم إنما هو على الشواهد، فمن لا شاهد له لا سير له و لا طلب و لا سلوك.

و أعظم الشواهد شواهد صفات محبوبهم و نهاية مطلوبهم، و ذلك هو العَلَمُ الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه، كما [قالت عائشة]: "من رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، و لكن رفع له علم فشمر إليه".

و لا يزال العبد في التواني و الفتور و الكسل، حتى يرفع الله عز و جل له بفضله و منّه علما يشاهده بقلبه فيشمر إليه و يعمل عليه.
فإذا عطلت شواهد الصفات، و وضعت أعلامها من القلوب، و طمست آثارها فيها، ضربت بسياط البعد، و أسبل دونها حجاب الطرد، و تخلفت مع المتخلفين، و أوحي إليها أن اقعدي مع القاعدين.

فإن أوصاف المدعو إليه، و نعوت كماله، و حقائق أسمائه، هي الحادية للقلوب إلى محبته، و طلب الوصول إليه، لأن القلوب إنما تحب من تعرفه، و تخافه، و ترجوه، وتشتاق إليه، و تلتذ بقربه، و تطمئن إلى ذكره، بحسب معرفتها بصفاته.

فإذا ضرب دونها حجاب معرفة الصفات و الإقرار بها؛ امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروط بالمعرفة و ملزوم لها؛ إذ وجود الملزوم بدون لازمه و المشروط بدون شرطه ممتنع.

فحقيقة المحبة و الإنابة و التوكل و مقام الإحسان، ممتنع على المعطل امتناع حصول المَغَلّ من مُعَطِّلِ البذر، بل أعظم امتناعا.

و كيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، و لا يرى مكانها، و لا يُحِبُّ و لا يُحَب، و لا يقوم به فعل البتة، و لا يتكلم و لا يكلم، و لا يقرب من شيء و لا يقرب منه شيء، و لا يقوم به رحمة و لا رأفة و لا حنان، و لا له حكمة و لا غاية يفعل و يأمر لأجلها ؟!

فكيف يتصور التوكل على ذلك، و محبته، و الإنابة إليه، و الشوق إلى لقائه، و رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم، و هو غير مستو على عرشه فوق جميع خلقه ؟!

أم كيف تأله القلوب من لا يُحِبُّ و لا يُحَب، و لا يرضى و لا يغضب، و لا يفرح ولا يضحك ؟!

فسبحان من حال بين المعطلة و بين محبته، ومعرفته، و السرور و الفرح به، و الشوق إلى لقائه، و انتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم، و التمتع بخطابه في محل كرامته و دار ثوابه !

و لو رآها أهلا لذلك، لمنّ عليها به و أكرمها به؛ إذ ذاك أعظم كرامة يكرم بها عبده و الله أعلم حيث يجعل كرامته و يضع نعمته ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ الله عَلَيْهِم مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾[الأنعام:53]، ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾[الأنعام:124]، ﴿أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[الزخرف:32].

و ليس جحودهم صفاته سبحانه و حقائق أسمائه في الحقيقة تنزيها، إنما هو حجاب ضرب عليهم فظنوه تنزيها، كما ضرب حجاب الشرك و البدع المضلة و الشهوات المردية على قلوب أصحابها، و زين لهم سوء أعمالهم فرأوها حسنة"أ.هـ.

فاللهم أحينا على التوحيد و السنة و لا تقبضنا إلا على التوحيد و السنة.



هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و بعد



فقد وقفت على مقال لأحد الكتاب يتحدث فيه عن قبر رجل، ثم قال في آخر مقاله:

" التبرك بالولي الصالح


هذه الحجرات و التراب الذي حولها يأتون الناس اليها من كل القبائل ليأخذوا منها قليلا من التراب للتداوي من انتفاخ اللوزتين فيشفى المريض حالا.
و يروي شاهد عيان و من جرب هذه العادة انه بمجرد وضع تراب الولي الصالح من هذه الحجرة يشفى من اللوزتين، و لا يحتاج إلى الذهاب إلى الطبيب بالمرة.
و قد أكد هذه الرواية مريدي الولي الصالح مولاي اسماعيل بوشربيل. " اهـ




فأقول و بالله وحده أستعين


العبادة حق لله سبحانه و تعالى، قال سبحانه في أول أمر أمرَ به الناس ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  - [البقرة]


فأمر سبحانه و تعالى بإفراده بالعبادة وحده دون ما سواه، و نهى عن اتخاذ النذ و الشريك معه.


و العبادة كل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الظاهرة و الباطنة، و من أجلّ العبادات الدعاء، فقد خرّج الترمذي في سننه (3372) من حديث النعمان بن بشير قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " الدُّعاءُ هُو العبادةُ ثمَّ قرأَ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ".


و الدعاء نوعان:
ء دعاء عبادة كأن يقول العبد (سبحان الله) أو (الحمد لله) أو (لا إله إلا الله) و كل أنواع الذكر يسمى دعاء.
ء و دعاء مسألة، كأن يقول العبد "اللهم إني أسألك الهدى و التقى و العفافة و الغنى"، أو أن يقول "اللهم إني أسألك قضاء الدين". أو أن يقول " اللهم إني أسألك الشفاء من المرض الفلاني ".


و إذا عُلِمَ أن الدعاء حق لله وحده دون ما سواه ﴿ و قال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ - [غافر]، فإن صرفه لغيره شرك بالله العلي العظيم. و هذا خليل الله إبراهيم عليه السلام، يُقر بأن الله سبحانه - المستحق للعبادة وحده دون ما سواه - هو الخالق الهادي الرازق الشافي المحيي المميت، و غيره ليس له من ذلك شيء.


يقول سبحانه و تعالى مخبرا عن عبده إبراهيم الخليل ﴿ وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ - [الشعراء].


فطلب الشفاء يكون من الله سبحانه و تعالى أولا و آخرا. و قد يقول قائل: هذا فقط من الأسباب، أنا آخذ التراب من حول قبر هذا الرجل من باب الأسباب.


فنقول له: هل هذا سبب شرعي أمرك الله به، أو أمرك رسول الله به، فإن قال نعم فقد كذب على الله و رسوله، و إن قال لا، فيقال هذا من تلبيس الشيطان عليك. و قد نصب فخ الشرك الأكبر عند هذا القبر، أمّا ذهاب المرض بمجرد وضع التراب فهذا هو الفتنة، و كم من واحد أشرك بالله بسبب ذلك. فتجده يقف أما القبر، و يأخذ حفنة تراب و يقول " آسدي فلان اشفني، آسدي علان راني مريض عافيني ".

 


و هذا جزاء مخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال تعالى ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتنَةٌ ﴾ - [النور].


يقول الطبري في تفسيره :
" حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) الذين يصنعون هذا أن تصيبهم فتنة ، أو يصيبهم عذاب أليم . الفتنة هاهنا : الكفر " اهـ
فأخذ التراب من قبر فلان أو علان للتداوي سبب غير شرعي لم يدل عليه لا كتاب و لا سنة.


و قد جاء في السنة المطهرة التداوي بالتراب. فقد خرّج مسلم في صحيحه (2194) من حديث عائشة أم المؤمنين أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منهُ ، أو كانت بهِ قرحةٌ أو جرحٌ . قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بإصبعِه هكذا . ووضع سفيانُ سبَّابتَه بالأرضِ ثم رفعها " باسمِ اللهِ تربةُ أرضنا بريقِةِ بعضِنا ليُشفَى بهِ سقيمُنا بإذنِ ربِّنا " .


و هذا في أي مكان لا عند قبر و لا عند زاوية و لا شيء من هذه الخرافات التي كثرت لا كثرها الله.


يأتي المرأ و لو من عند باب داره، و يضع ريقه في سبابته ثم يضعها في التراب ثم يقول " بسمِ اللهِ تربةُ أرضنا بريقِةِ بعضِنا ليُشفَى بهِ سقيمُنا بإذنِ ربِّنا ". فهذا سبب شرعي إذا عمل به المرأ يؤجر على إيمانه بأن الله سبحانه و تعالى هو الشافي و يؤجر على يقينه بما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم. و يؤجر لإتباعه السنة و إعراضه عن ما سواها من البدع و الخرافات، و لعله يؤجر لأسباب أخرى لا يعلمها إلا الله، ثم يشفا بإذن الله سبحانه و تعالى، لا بإذن فلان و لا علان. و هذا معروف عند أهل اليقين فيما أخبر به الله و أخبر به رسول الله صلى الله عليه.


و أنا أنشدكم الله الذي لا معبود بحق سواه، ما يكون جوابكم إذا سُئلتم يوم القيامة ﴿ وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾ - [الصافات]. لماذا كنتم تأخذون التراب من عند قبر هذا الرجل تسألونه الشفاء؟ هل وجدتموه في كتاب ربكم؟، أم وجدتموه في سنة نبيكم؟. و المرجوا أن يكون الجواب صريحا.




قال تعالى ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ - [ الأعراف]




و قال سبحانه و تعالى و هو يوصي عباده ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ - [الأنعام]


و إذا كان الداعي إلى سبيل الله و إلى صراطه المستقيم هو رسول الله محمد بن عبد الله، فمن يدعوا إلى باقي السبل ؟؟؟ لا شك أنها الشياطين. فتأمّلوا.

 

 

و يقال لهذا الكاتب و أمثاله، اتقوا الله في أبناء المسلمين، اتقوا الله،

 

لو اقتدا بك أحد من الشباب، فتحمل وزره إلى وزرك يوم القيامة. قال جل و علا ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ - [النحل 25].

و خرج مسلم في صحيحه (1017) من حديث جرير بن عبد قال " ... من سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً ، فله أجرُها ، وأجرُ مَن عمل بها بعدَه . من غير أن ينقص من أجورِهم شيءٌ . ومن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً ، كان عليه وزرُها ووزرُ مَن عمل بها من بعده . من غير أن يَنقصَ من أوزارهم شيءٌ ".





هذا و صل الله على نبينا محمد و على آله وأصحابه و أتباعه و سلم تسليما كثيرا.

Commenter cet article