مثل المنافقين - كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة على رسول الله، و على آله و صحبه و سلم، و بعد؛
فبعد أن ذكر الله صفات المنافقين في أوائل سورة البقرة، كما في قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ 8 يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 9 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ 10 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ 11 أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ 12 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ 13 وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ 14 اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ 15 أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }
ضرب سبحانه و تعالى مثلا يبين فيه حالهم و مصيرهم، فقال جل و علا { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ 17 صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ 18 }.
يقول الطبري في " تفسيره / ج 1 ص 338 - 341 ":
" حدثني بشر، قال حدثني يزيد، قال حدثني سعيد، عن قتادة قوله ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾: و إن المنافق تكلم بـ"لا إله إلا الله"، فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، و عادَّ بها المسلمين، و وارث بها المسلمين، و حقن بها دمه و ماله، فلما كان عند الموت سُلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، و لا حقيقة في عمله [علمه].
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾: و هي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها و شربوا، و أمنوا في الدنيا، و نكحوا النساء، و حقنوا [بها] دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لا يبصرون.
حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهُدَى؛ وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون." اهـ
يقول ابن أبي حاتم في " تفسيره / ج 1 ص 51 - 53 ":
" 162 ـ حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدى: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ زعم أن أناسا دخلوا في الاسلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ثم إنهم نافقوا فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد نارا فلما أضاءت ما حوله من قذى أو اذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منها فبينما هو كذلك إذ أطفئت ناره، فاقبل لا يدري ما يتقي من اذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فاسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام ولا الخير من الشر."
164 ـ حدثنا الحسن بن أبي ربيع، أنبأ عبد الرزاق، ان معمر عن قتادة: حتى إذا ماتوا - يعني المنافقين -، ذهب بنورهم.
169 ـ أخبرنا أبو الأزهر فيما كتب إلى ثنا وهب بن جرير ثنا أبي عن علي ابن الحكم عن الضحاك في قوله ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ﴾: أما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم.
174 ـ حدثنا أبو زرعة، ثنا صفوان، ثنا الوليد، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة ﴿ صُمٌّ ﴾ عن الحق فهم لا يسمعونه، ﴿ بُكْمٌ ﴾ عنه فهم لا ينطقون به، ﴿ عُمْيٌ ﴾ عنه فهم لا يبصرونه.
178 ـ حدثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ فهم لا يرجعون إلى الاسلام." اهـ
قال السعدي في " تفسيره ":
" فكذلك حال المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، [و هو كناية عن النور لأن النار فيها خاصية الضوء (النور) و خاصية الإحراق]. فلما انتفع المنافقين بذلك النور و حصل لهم نوع من الأمن في أموالهم و دمائهم. فبينما هم كذلك، إذ هجم عليهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، و حصل لهم كل همٍّ و غمٍّ و عذاب، و حصل لهم ظلمة القبر و ظلمة الكفر و ظلمة النفاق، و ظلم المعاصي على اختلاف أنواعها، و بعد ذلك ظلمة النار و بيس القرار. هذا في الدنيا، أما يوم القيامة، فيخدعهم الله كما خدعوا المؤمنين في الدنيا [إذ أظهروا الإسلام و أخفو الغيض و الحسد] بأن أذهب نورهم و تركهم في الظلمات.
يقول الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 12 يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ 13 يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ 14 فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ 15﴾ - [الحديد] " اهـ
يقول ابن القيم في " الوابل الصيب ":
" و قال سبحانه (ذهب الله بنورهم) ولم يقل بنارهم، لأن النار فيها الإشراق و الإحراق، فذهب بما فيه الإضاءة و الإشراق، و أبقى عليهم ما فيه الأذى و الإحراق. وكذلك حال المنافقين، ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر و الشكوك و الشبهات تغلي في قلوبهم، و قلوبهم قد صليت بحرها و أذاها و سمومها و رهجها في الدنيا و أصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا موقدة تطلع على الأفئدة.
فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا، بل خرج منه و فارقه بعد أن استضاء به، و هو حال المنافق عرف ثم أنكر، و أقر ثم جحد، فهو في الظلمات أصم أبكم أعمى، و شَبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار و ذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين و صلاتهم معهم و صيامهم معهم و سماعهم القرآن و مشاهدتهم أعلام الإسلام و مناره قد شاهدوا الضوء ورأو النور عيانا، ولهذا قال تعالى في حقهم (فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) إليه، لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به، و استناروا به، فهم لا يرجعون إليه. و قال تعالى في حق الكفار (فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) - [البقرة 171]، لأنهم لم يعقلوا الإسلام و لا دخلوا فيه و لا استناروا به، بل لا يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي." اهـ
فاللهم سلم سلم
هذا و صل اللهم على نبينا محمد و على أله و صحبه و سلم
Commenter cet article