وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و بعد
فقد وقفت على مقال لأحد الكتاب يتحدث فيه عن قبر رجل، ثم قال في آخر مقاله:
" التبرك بالولي الصالح
هذه الحجرات و التراب الذي حولها يأتون الناس إليها من كل القبائل ليأخذوا منها قليلا من التراب للتداوي من انتفاخ اللوزتين فيشفى المريض حالا.
و يروي شاهد عيان و من جرب هذه العادة انه بمجرد وضع تراب الولي الصالح من هذه الحجرة يشفى من اللوزتين، و لا يحتاج إلى الذهاب إلى الطبيب بالمرة.
و قد أكد هذه الرواية مريدي الولي الصالح مولاي اسماعيل بوشربيل. " اهـ
فأقول و بالله وحده أستعين و إليه نشكوا بثنا و حزننا لا إله إلا هو.
العبادة حق لله سبحانه و تعالى، قال سبحانه في أول أمر أمرَ به الناس ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ - [البقرة]
فأمر سبحانه و تعالى بإفراده بالعبادة وحده دون ما سواه، و نهى عن اتخاذ النذ و الشريك معه.
و العبادة كل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الظاهرة و الباطنة، و من أجلّ العبادات الدعاء، فقد خرّج الترمذي في سننه (3372) من حديث النعمان بن بشير قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " الدُّعاءُ هُو العبادةُ ثمَّ قرأَ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ".
و الدعاء نوعان:
- دعاء عبادة كأن يقول العبد (سبحان الله) أو (الحمد لله) أو (لا إله إلا الله) و كل أنواع الذكر يسمى دعاء عبادة.
- و دعاء مسألة، كأن يقول العبد "اللهم إني أسألك الهدى و التقى و العفافة و الغنى"، أو أن يقول "اللهم إني أسألك قضاء الدين". أو أن يقول " اللهم إني أسألك الشفاء من المرض الفلاني ".
و إذا عُلِمَ أن الدعاء حق لله وحده دون ما سواه ﴿ و قال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ - [غافر]، فإن صرفه لغيره شرك بالله العلي العظيم. و هذا خليل الله إبراهيم عليه السلام، يُقر بأن الله سبحانه - المستحق للعبادة وحده دون ما سواه - هو الخالق الهادي الرازق الشافي المحيي المميت، و غيره ليس له من ذلك شيء.
يقول سبحانه و تعالى مخبرا عن عبده إبراهيم الخليل ﴿ وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ - [الشعراء].
فطلب الشفاء يكون من الله سبحانه و تعالى أولا و آخرا. و قد يقول قائل: هذا فقط من الأسباب، أنا آخذ التراب من حول قبر هذا الرجل من باب الأسباب.
فنقول له: هل هذا سبب شرعي أمرك الله به، أو أمرك رسول الله به؟؟؟، فإن قال نعم فقد كذب على الله و رسوله، و إن قال لا، فيقال له هذا من تلبيس الشيطان عليك. و قد نصب فخ الشرك الأكبر عند هذا القبر، أمّا ذهاب المرض بمجرد وضع التراب فهذا هو الفتنة، و كم من واحد أشرك بالله بسبب ذلك. فتجده يقف أما القبر، و يأخذ حفنة تراب و يقول " آسدي فلان اشفني، آسدي علان راني مريض عافيني ".
و هذا جزاء مخالفة رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال تعالى ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتنَةٌ ﴾ - [النور].
يقول الطبري في تفسيره :
" حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) الذين يصنعون هذا أن تصيبهم فتنة ، أو يصيبهم عذاب أليم . الفتنة هاهنا : الكفر " اهـ
فأخذ التراب من قبر فلان أو علان للتداوي سبب غير شرعي لم يدل عليه لا كتاب و لا سنة.
و قد جاء في السنة المطهرة التداوي بالتراب. فقد خرّج مسلم في صحيحه (2194) من حديث عائشة أم المؤمنين أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان إذا اشتكى الإنسانُ الشيءَ منهُ ، أو كانت بهِ قرحةٌ أو جرحٌ . قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بإصبعِه هكذا . ووضع سفيانُ سبَّابتَه بالأرضِ ثم رفعها " باسمِ اللهِ تربةُ أرضنا بريقِةِ بعضِنا ليُشفَى بهِ سقيمُنا بإذنِ ربِّنا " .
و هذا في أي مكان لا عند قبر و لا عند زاوية و لا شيء من هذه الخرافات التي كثرت لا كثرها الله.
يأتي المرأ و لو من عند باب داره، و يضع ريقه في سبابته ثم يضعها في التراب ثم يقول " بسمِ اللهِ تربةُ أرضنا بريقِةِ بعضِنا ليُشفَى بهِ سقيمُنا بإذنِ ربِّنا ". فهذا سبب شرعي إذا عمل به المرأ يؤجر على إيمانه بأن الله سبحانه و تعالى هو الشافي و يؤجر على يقينه بما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم. و يؤجر لإتباعه السنة و إعراضه عن ما سواها من البدع و الخرافات، و لعله يؤجر لأسباب أخرى لا يعلمها إلا الله، ثم يشفا بإذن الله سبحانه و تعالى، لا بإذن فلان و لا علان. و هذا معروف عند أهل اليقين فيما أخبر به الله و أخبر به رسول الله صلى الله عليه.
و أنا أنشدكم الله الذي لا معبود بحق سواه، ما يكون جوابكم إذا سُئلتم يوم القيامة ﴿ وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾ - [الصافات]. لماذا كنتم تأخذون التراب من عند قبر هذا الرجل تسألونه الشفاء؟ هل وجدتموه في كتاب ربكم؟، أم وجدتموه في سنة نبيكم؟. و المرجوا أن يكون الجواب صريحا.
قال تعالى ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ - [ الأعراف]
و قال سبحانه و تعالى و هو يوصي عباده ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ - [الأنعام]
و إذا كان الداعي إلى سبيل الله و إلى صراطه المستقيم هو رسول الله محمد بن عبد الله، فمن يدعوا إلى باقي السبل ؟؟؟ لا شك أنها الشياطين. فتأمّلوا.
و يقال لهذا الكاتب و أمثاله، اتقوا الله في أبناء المسلمين، اتقوا الله،
لو اقتدا بك أحد من الشباب، فتحمل وزره إلى وزرك يوم القيامة. قال جل و علا ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ - [النحل 25].
و خرج مسلم في صحيحه (1017) من حديث جرير بن عبد قال " ... من سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسنةً ، فله أجرُها ، وأجرُ مَن عمل بها بعدَه . من غير أن ينقص من أجورِهم شيءٌ . ومن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيئةً ، كان عليه وزرُها ووزرُ مَن عمل بها من بعده . من غير أن يَنقصَ من أوزارهم شيءٌ ".
هذا و صل الله على نبينا محمد و على آله وأصحابه و أتباعه و سلم تسليما كثيرا.