حقيقة الزهد
١- بيان الزهد المشروع
الزهد في حطام الدنيا وعدم الاغترار بها والركون إليها مطلب شرعي، لأجل أن تتعلق نفس العبد بالحياة الحقيقية وهي الحياة في الدار الآخرة.
إلا أن هذا الخلق الإسلامي الرفيع، قد طالته يد التحريف، ففسر بتفسيرات خاطئة، وطبق تطبيق سيء، ودخل منه من ليس من أهله.
وأصبح الزهد الإسلامي النقي أشبه ما يكون بحال الرهبانية النصرانية، والتعبد بطقوسٍ ما أنزل الله بها من سلطان.
فلذلك وجب الرجوع إلى طريقة السلف في التعامل مع هذا الخلق؛ والوقوف على التطبيق الصحيح للزهد الشرعي من خلال أقوالهم وأفعالهم.
إن الزهد الحقيقي في الدنيا : هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو ليس بتحريم الطيبات وتضييع الأموال، ولا بلبس المرقع من الثياب، ولا بالجلوس في البيوت وانتظار الصدقات، فإن العمل الحلال والكسب الحلال والنفقة الحلال عبادة يتقرب بها العبد إلى الله ، بشرط أن تكون الدنيا في الأيدي، ولا تكون في القلوب، وإذا كانت الدنيا في يد العبد لا في قلبه، استوى في عينه إقبالها وإدبارها ، فلم يفرح بإقبالها، ولم يحزن على إدبارها.
قال شيخ الإسلام: إذا سلم القلب من الهلع، واليد من العُدوان كان صاحبه محمودًا؛ وإن كان معه مال عظيم، بل قد يكون مع هذا زاهدًا أزهد من فقير هلوع. (الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 231)
وقال ابن القيم في وصف حقيقة الزهد: وليس المراد ـ من الزهد ـ رفضها ـ أي الدنيا ـ من الملك، فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء مالهما.
وكان نبينا من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة.
وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء.
ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك. (مدارج السالكين 2 / 13)
وقال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباءة. (الزهد لوكيع ص 4)
وقد سئل الإمام أحمد: أيكون الإنسان ذا مال وهو زاهد، قال: نعم، إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصانه.
وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج، فقال الحسن: ولم؟ قال: يقول: لا أؤدي شكره، فقال الحسن: إن جارك جاهل ، وهل يؤدي شكر الماء البارد؟
قال ابن القيم رحمه الله: الزهد أقسام:
1- زهد في الحرام وهو فرض عين.
2- وزهد في الشبهات، وهو بحسب مراتب الشبهة، فإن قويت التحق بالواجب، وإن ضعفت كان مستحبا.
3- وزهد في الفضول، وهو زهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره.
4- وزهد في الناس.
5- وزهد في النفس، بحيث تهون عليه نفسه في الله.
6- وزهد جامع لذلك كله، وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما يشغلك عنه.
وأفضل الزهد إخفاء الزهد.. والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع. (الفوائد: 118)
٢- أخبار الزهاد
- زهد أبي بكر وورعه
كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- من أزهد الناس وأورعهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد سطرت
الروايات عنه قصصاً تكتب بماء الذهب في التجرد لله تعالى والإخلاص له، وعدم الاغترار بهذه الحياة الدنيا، إذ كان همه الدار الآخرة وكيف النجاة منها.روى البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «كَانَ لأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلاَمُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ، قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ؛ إِلاَّ أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ».
وأخرج أبو نعيم الأصبهاني عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: « أتت عائشة أبا بكر وهو يجود بنفسه، قال: فقالت : يا أبتاه هذا كما قال حاتم : إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر، قال : يا بنية، لا ، بل قول الله أصدق: ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ إذا أنا مت فاغسلي أخلاقي -أي ثيابي- هذه التي علي فاجعليها أكفاني، قالت : قد رزق الله وأحسن، نكفنك في جدد، قال : إن الحي هو أحوج إلى أن يصون نفسه ويقنعها من الميت، إنما يصير إلى البلاء والصديد» (معرفة الصحابة لأبي نعيم 1/ 119)
وروى الطبراني في الكبير عَنْ الْحَسَنِ بن عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، انْظُرِي اللِّقْحَةَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا ، وَالْجِفْنَةَ الَّتِي كُنَّا نَصْطَبِحُ فِيهَا، وَالْقَطِيفَةَ الَّتِي كُنَّا نَلْبَسُهَا، فَإِنَّا كُنَّا نَنْتَفِعُ بِذَلِكَ حِينَ كُنَّا فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا مِتُّ، فَارْدُدِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ، أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكَ. (المعجم الكبير للطبراني 1/ 14)
- زهد عمر بن
الخطاب
لقد أقبلت الدنيا على الخليفة الراشد الزاهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يزده ذلك الإقبال إلا زهدًا فيها ورغبة
عنها.
ومما يدل على زهده رضي الله عنه قبل الخلافة ما رواه البخاري في صحيحه { أَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً؛ فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ؛ فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ } ( رواه البخاري ) .
وروى ابن أبي شيبة وغيره وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: { قدم على عمر رضي الله عنه ناس من قراء العراق، فرأى كأنهم يأكلون تعذيرًا، فقال: "ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن نُدُهْمَقَ - أي نطيب - لكم لفعلت، ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده لآخرتنا أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿ أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ﴾ } ( الأحقاف: 20. ) الآية.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن أسلم قال: { أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، فكان عمر رضي الله عنه يأكل الزيت، فتقَرْقِر بطنه، فيقول: قرقر ما شئت، فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس، ثم قال: اكسر عني حره بالنار، فكنت أطبخه له فيأكله } .
وروى ابن سعد عن أنس قال: { تقرقر بطن عمر عام الرّمادة، فكان يأكل الزيت، وكان قد حرّم على نفسه السمن، قال: فنقر بطنه بإصبعه، وقال: تقرقر إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس } .
ومما يدل على زهده رضي الله عنه قبل الخلافة ما رواه البخاري في صحيحه { أَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً؛ فَقُلْتُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ؛ فَخُذْهُ، وَمَا لاَ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ } ( رواه البخاري ) .
وروى ابن أبي شيبة وغيره وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: { قدم على عمر رضي الله عنه ناس من قراء العراق، فرأى كأنهم يأكلون تعذيرًا، فقال: "ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن نُدُهْمَقَ - أي نطيب - لكم لفعلت، ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده لآخرتنا أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿ أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ﴾ } ( الأحقاف: 20. ) الآية.
وروى الإمام أحمد في الزهد عن أسلم قال: { أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، فكان عمر رضي الله عنه يأكل الزيت، فتقَرْقِر بطنه، فيقول: قرقر ما شئت، فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس، ثم قال: اكسر عني حره بالنار، فكنت أطبخه له فيأكله } .
وروى ابن سعد عن أنس قال: { تقرقر بطن عمر عام الرّمادة، فكان يأكل الزيت، وكان قد حرّم على نفسه السمن، قال: فنقر بطنه بإصبعه، وقال: تقرقر إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس } .
Commenter cet article