Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
مُدَوَّنَة الْدُّرَر الْبَهِيَّة

العقيدة الواسطية2: لشيخ الإسلام ابن تيمية

18 Octobre 2010, 19:04pm

Publié par Ghurabae

http://www.3lsooot.com/booksmall/photo/img-1255684405.jpg       

فصل

وَقَدْ دَخَلَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الْإِيمَانُ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَتَوَاتَرَ عَنْ رَسُولِهِ, وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفَ الْأُمَّةِ; مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ, عَلَى عَرْشِهِ, عَلِيٌّ عَلَى خَلْقِهِ, وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا, يَعْلَمُ مَا هُمْ عَامِلُونَ; كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ :(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد:4)

وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ :  (وهو معكم) أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ; فَإِنَّ هَذَا لَا تُوجِبُهُ اللُّغَةُ, بَلْ الْقَمَرُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَصْغَرِ مَخْلُوقَاتِهِ, وَهُوَ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ, وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ الْمُسَافِرِ أَيْنَمَا كَانَ

وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ, رَقِيبٌ عَلَى خَلْقِهِ, مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِمْ, مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي رُبُوبِيَّتِهِ وَكُلُّ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ -مِنْ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَأَنَّهُ مَعَنَا- حَقٌّ عَلَى حَقِيقَتِهِ, لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْرِيفٍ, وَلَكِنْ يُصَانُ عَنِ الظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ; مِثْلُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ :  (فى السماء) ([6]) ؛ أَنَّ السَّمَاءَ تُظِلُّهُ أَوْ تُقِلُّهُ, وَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا, وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ, وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ 

  

فصل

وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ; كَمَا جَمَعَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ :  (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)(البقرة: من الآية186) ، وَقَوْلِهِ (صلى الله عليه وسلم )  (( إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ )) .

وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَنْ قُرْبِهِ وَمَعِيَّتِهِ لَا يُنَافِي مَا ذُكِرَ مِنْ عُلُوِّهِ وفَوْقِيَّتِهِ; فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ نُعُوتِهِ, وَهُوَ عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ, قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ   

فصل

وَمِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ، مَنَزَّلٌ, غَيْرُ مَخْلُوقٍ, مِنْهُ بَدَأَ, وَإِلَيْهِ يَعُودُ, وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً, وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم )  هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً, لَا كَلَامَ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ, أَوْ عِبَارَةٌ, بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ; لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً, فَإِنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا, لَا إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤْدِيًا وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ; حُرُوفُهُ, وَمَعَانِيه, لَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي, وَلَا الْمَعَانِي دُونَ الْحُرُوفِ 

فصل

وَقَدْ دَخَلَ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَبِمَلَائِكَتِهِ وَبِرُسُلِهِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيَانًا بِأَبْصَارِهِمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ صَحْوًا لَيْسَ بِهَا سَحَابٌ, وَكَمَا يَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ يَرَوْنَهُ سُبْحَانَهُ وَهُمْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ, ثُمَّ يَرَوْنَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ; كَمَا يَشَاءُ اللَّهُ تَعَالَى 

فصل

وَمِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )  مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ, فَيُؤْمِنُونَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ, وَبِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ فَأَمَّا الْفِتْنَةُ; فَإِنَّ النَّاسَ يُمْتَحَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ, فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَنْ رَبُّكَ? وَمَا دِينُكَ? وَمَنْ نَبِيُّكَ? فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ, فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ رَبِّيَ اللَّهُ, وَالْإِسْلَامُ دِينِي, وَمُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم )  نَبِيِّي وَأَمَّا الْمُرْتَابُ; فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ, لَا أَدْرِي, سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ، فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ مِنْ حَدِيدٍ, فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ; إِلَّا الْإِنْسَانُ, وَلَوْ سَمِعَهَا الْإِنْسَانُ; لَصَعِقَ ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ إِمَّا نَعِيمٌ وَإِمَّا عَذَابٌ, إِلَى أَنْ تَقُومَ الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى, فَتُعَادُ الْأَرْوَاحُ إِلَى الْأَجْسَادِ

وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا فِي كِتَابِهِ, وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ, وَأَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ, فَيَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً, وَتَدْنُو مِنْهُمْ الشَّمْسُ, وَيُلْجِمُهُمْ الْعَرَقُ

فَتُنْصَبُ الْمَوَازِينُ, فَتُوزَنُ بِهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ, فمن ثقلت موازينه فألئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فألئك الذين خسروا أنفسهم فى جهنم خالدين وتنشر الدواوين وهى صحائف الاعمالفآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله او من وراء ظهره كما قال سبحانه وتعالى : (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) (الاسراء:13) (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الاسراء:14)  

وَيُحَاسِبُ اللَّهُ الْخَلَائِقَ, وَيَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ, فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ; كَمَا وُصِفَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

وَأَمَّا الْكُفَّارُ; فَلَا يُحَاسَبُونَ مُحَاسَبَةَ مَنْ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُ وَسِيئَاتُهُ; فَإِنَّهُ لَا حَسَنَاتِ لَهُمْ, وَلَكِنْ تُعَدُّ أَعْمَالُهُمْ, فَتُحْصَى فَيُوقَفُونَ عَلَيْهَا, وُيقَرَّرون بِهَا

وَفِي عَرَصَات الْقِيَامَةِ الْحَوْضُ الْمَوْرُودُ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم )  مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ, وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ, آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ, طُولُهُ شَهْرٌ, وَعَرْضُهُ شَهْرٌ, مَنْ يَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً; لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا وَالصِّرَاطُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ, وَهُوَ الْجِسْرُ الَّذِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, يَمُرُّ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ, فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْفَرَسِ الْجَوَادُ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَرُكَّابِ الْإِبِلِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْدُو عَدْواً, وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي مَشْيًا, وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْحَفُ زَحْفًا, وَمِنْهُمْ مَنْ يُخْطَفُ خَطْفًا وَيُلْقَى فِي جَهَنَّمَ; فَإِنَّ الْجِسْرَ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ فَمَنْ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ; دَخَلَ الْجَنَّةَ فَإِذَا عَبَرُوا عَلَيْهِ; وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ, فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا; أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ 

وَأَوَّلُ مَنْ يَسْتَفْتِحُ بَابَ الْجَنَّةِ مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم )  وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ الْأُمَمِ أُمَّتُهُ

  وَلَهُ (صلى الله عليه وسلم )   فِي الْقِيَامَةِ ثَلَاثُ شَفَاعَاتٍ أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْأُولَى: فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَرَاجَعَ الْأَنْبِيَاءُ آدَمُ, وَنُوحٌ, وَإِبْرَاهِيمُ, وَمُوسَى, وَعِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ عَنِ الشَّفَاعَةِ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ

وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ:

فَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَهَاتَانِ الشفاعتان خَاصَّتَانِ لَهُ

وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الثَّالِثَةُ:

فَيَشْفَعُ فِيمَنْ اِسْتَحَقَّ النَّارَ, وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَهُ وَلِسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ, فَيَشْفَعُ فِيمَنْ اِسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا, وَيُشَفَّعُ فِيمَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا

  وَيُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أَقْوَامًا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ, بَلْ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ, وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا, فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا أَقْوَامًا, فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ 

وَأَصْنَافُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّارُ الْآخِرَةِ مِنَ الْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَتَفَاصِيلِ ذَلِكَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ, وَالْآثَارِ مِنَ الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ, وَفِي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم )   مِنْ ذَلِكَ مَا يَشْفِي وَيَكْفِي, فَمَنْ اِبْتَغَاهُ وَجَدَهُ

  وَتُؤْمِنُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ, كُلُّ دَرَجَةٍ تَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ

فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى : الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِالْخَلْقِ وَهُمْ عَامِلُونَ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ أَزَلاً وَأَبَدًا, وَعِلْمُ جَمِيعِ أَحْوَالِهمْ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي وَالْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ, ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ; قَالَ لَهُ اُكْتُبْ قَالَ مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَا  أَصَابَ الْإِنْسَانُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ, جَفَّتِ الْأَقْلَامُ, وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج:70)

وقال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22)

 وَهَذَا التَّقْدِيرُ التَّابِعُ لِعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً فَقَدْ كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا شَاءَ وَإِذَا خَلَقَ جَسَدَ الْجَنِينِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ; بَعَثَ إِلَيْهِ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ, فَيُقَالُ لَهُ اُكْتُبْ رِزْقَهُ, وَأَجَلَهُ, وَعَمَلَهُ, وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيد وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا التَّقْدِيرُ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا, وَمُنْكِرُوهُ الْيَوْمَ قَلِيلٌ

وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ; فَهِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ, وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ, وَهُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ, وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ, وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ; إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ, لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ,

وَالْعِبَادُ فَاعِلُونَ حَقِيقَةً, وَاللَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِهم وَالْعَبْدُ هُوَ الْمُؤْمِنُ, وَالْكَافِرُ, وَالْبَرُّ, وَالْفَاجِرُ, وَالْمُصَلِّي, وَالصَّائِمُ وَلِلْعِبَادِ قُدْرَةٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ, وَلَهُمْ إِرَادَةٌ, وَاللَّهُ خَالِقُهُمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ; كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

(لمن شاء منكم أن يستقيم)(وما تشاءون الا ان يشاء الله رب العالمين)(التكوير 28و29)

وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الْقَدَرِ يُكَذِّبُ بِهَا عَامَّةُ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )  مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ, وَيَغْلُو فِيهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ, حَتَّى سَلَبُوا الْعَبْدَ  قَدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ, وَيُخْرِجُونَ عَنْ أَفْعَالِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ حِكَمَهَا وَمَصَالِحَهَا

فصل

وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الدِّينَ وَالْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ, قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ, وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ  وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ, وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ; كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ, بَلْ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي; كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف)(البقرة: من الآية178)

وَقَالَ :  )وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9) )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )(الحجرات: من الآية10)

وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ الْإِسْلَامَ بِالْكُلِّيَّةِ, وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ; كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اِسْمِ الْإِيمَانِ; كَمَا فِي قَوْلِهِ :  ) فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة)(النساء: من الآية92) ،

 وَقَدْ لَا يَدْخُلُ فِي اِسْمِ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ; كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :  (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا)(لأنفال: من الآية2) ،

وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم (( لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ, وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ )) .

وَنَقُولُ : هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ, أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ, فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ الْمُطْلَقَ, وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ   

فصل

وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10)

وَطَاعَةُ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم )  فِي قَوْلِهِ (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهُمْ وَلَا نَصِيفَهُ . )) . وَيَقْبَلُونَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَيُفَضِّلُونَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ -وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَّةِ- وَقَاتَلَ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلَ وَيُقَدِّمُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْأَنْصَارِ وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ لِأَهْلِ بَدْرٍ -وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَر   ,  اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ 

وَبِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ; كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وسلم )  بَلْ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ, وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعمِائَة وَيَشْهَدُونَ بِالْجَنَّةِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  كَالْعَشَرَةِ, وَثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس, وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ

وَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَ بِهِ النَّقْلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ t وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ, ثُمَّ عُمَرُ وَيُثَلِّثُونَ بِعُثْمَانَ, وَيُرَبِّعُونَ بِعَلِيٍّ رَضِيَ للَّهُ عَنْهُمْ; كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآثَارُ, وَكَمَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ فِي الْبَيْعَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدِ اِخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بَعْدَ اِتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ? فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا, وَرَبَّعُوا بِعَلِيٍّ, وَقَدَّمَ قَوْمٌ عَلِيًّا, وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا لَكِنِ اِسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ, ثُمَّ عَلِيٍّ

وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ -مَسْأَلَةُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ- لَيْسَتْ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي يُضَلَّلْ الْمُخَالِفُ فِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنَّ الَّتِي يُضْلَّلُ فِيهَا مَسْأَلَةُ الْخِلَافَةِ, وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ, وَعُمَرُ, ثُمَّ عُثْمَانُ, ثُمَّ عَلِيٌّ وَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ; فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ

وَيُحِبُّونَ آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  وَيَتَوَلَّوْنَهُمْ, وَيَحْفَظُونَ فِيهِمْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  حَيْثُ قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ (( أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي )) .

وَقَالَ أَيْضاً لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ -وَقَدْ اِشْتَكَى إِلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ قُرَيْشٍ يَجْفُو بَنِي هَاشِمٍ- فَقَالَ (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ; لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحِبُّوكُمْ; لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِي )) . وَقَالَ (( إِنَّ اللَّهَ اِصْطَفَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ, وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ, وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا, وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ, وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ )) .

وَيَتَوَلَّوْنَ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ, وَيُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْآخِرَةِ خُصُوصًا خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أُمَّ أَكْثَرِ أَوْلَادِهِ, وَأَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَاضِدَه عَلَى أَمْرِهِ, وَكَانَ لَهَا مِنْهُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ وَالصِّدِّيقَةَ بِنْتَ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )  (( فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ )) .

  وَيَتَبَرَّؤونَ مِنْ طَرِيقَةِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَِّحَابَةَ وَيَسُبُّونَهُمْ, وَطَرِيقَةِ النَّوَاصِب الَّذِينَ يُؤْذُونَ أَهْلَ الْبَيْتِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ  وَيُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصِّحَابَةِ, وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ فِي مَسَاوِيهِمْ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ, وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنَقَصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ, وَالصَّحِيحُ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ, وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ, بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ,

 وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ -إِنَّ صَدَرَ-, حَتَّى إِنَّهُمْ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ

 وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ, وَأَنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ ثُمَّ إِذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ; فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ, أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتٍ تَمْحُوهُ, أَوْ غُفِرَ لَهُ; بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ, أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم) الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ, أَوْ اُبْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي الدُّنْيَا كُفِّرَ بِهِ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقةِ; فَكَيْفَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ إِنْ أَصَابُوا; فَلَهُمْ أَجْرَانِ, وَإِنْ أخطئوا; فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ, وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ

ثُمَّ إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْزٌ مَغْفُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ; مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ, وَرَسُولِهِ, وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ, وَالْهِجْرَةِ, وَالنُّصْرَةِ, وَالْعِلْمِ النَّافِعِ, وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ

وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ; عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ, لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ, وَأَنَّهُمْ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ 

  وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّصْدِيقُ بِكَرَامَات الْأَوْلِيَاءِ, وَمَا يُجْرِي اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ, فِي أَنْوَاعِ الْعُلُومِ وَالْمُكَاشَفَاتِ, وَأَنْوَاعِ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرَاتِ, وَالْمَأْثُورِ عَنْ سَالِفِ الْأُمَمِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَغَيْرِهَا, وَعَنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ

وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ, وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ 

فصل

ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِتِّبَاعُ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  بَاطِنًا وَظَاهِرًا, وَاتِّبَاعُ سَبِيلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ, وَاتِّبَاعُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم )  حَيْثُ قَالَ (( عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ; فَإِنْ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )) .

وَيَعْلَمُونَ أَنْ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ, وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم )  وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ, وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم )  عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ, وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اِسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ وَالْإِجْمَاعُ هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ, إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ, وَانْتَشَرَ فِي الْأُمَّةِ  ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذِهِ الْأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ, وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ; عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ مَعَ الْأُمَرَاءِ أَبْرَارًا كَانُوا أَوْ فُجَّارًا, وَيُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَاتِ

وَيَدِينُونَ بِالنَّصِيحَةِ لِلْأُمَّةِ, وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ (صلى الله عليه وسلم )  (( الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ, يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ))

وَقَوْلِهِ (صلى الله عليه وسلم )  (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اِشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ; تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ )) .  وَيَأْمُرُونَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ, وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ, وَالرِّضَى بِمُرِّ الْقَضَاءِ وَيَدْعُونَ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ, وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ, وَيَعْتَقِدُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ (صلى الله عليه وسلم )  (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا )) وَيَنْدُبُونَ إِلَى أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ, وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ, وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ, وَيَأْمُرُونَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ, وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ, وَحُسْنِ الْجِوَارِ, وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ, وَالرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ, وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ, وَالْبَغْيِ، وَالِاسْتِطَالَة عَلَى الْخَلْقِ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَيَأْمُرُونَ بِمَعَالِي الْأَخْلَاقِ, وَيَنْهَوْنَ عَنْ سَفْسَافِهَا 

وَكُلُّ مَا يَقُولُونَهُ أَوْ يَفْعَلُونَهُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ; فَإِنَّمَا هُمْ فِيهِ مُتَّبِعُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ, وَطَرِيقَتُهمْ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا (صلى الله عليه وسلم )  لَكِنْ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )   أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً, كُلُّهَا فِي النَّارِ; إِلَّا وَاحِدَةً, وَهِيَ الْجَمَاعَةُ وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (( هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي )) ؛ صَارَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ الْمَحْضِ الْخَالِصِ عَنِ الشَّوْبِ هُمْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَفِيهِمْ الصِّدِّيقُونَ, وَالشُّهَدَاءُ, وَالصَّالِحُونَ, وَمِنْهُمْ أَعْلَامُ الْهُدَى, وَمَصَابِيحُ الدُّجَى, أُولُو الْمَنَاقِبِ الْمَأْثُورَةِ, وَالْفَضَائِلِ الْمَذْكُورَةِ, وَفِيهِمْ الْأَبْدَالُ, وَفِيهِمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ, الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ, وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم )  (( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةٌ, لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ, وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ )) .

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا, وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ

وَاللَّهُ أَعْلَمَ

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .




Commenter cet article