الدرر النيرات فيما كان بيْنَ الشَّيْخَيْن الألباني وابن باز من مكاتبات 1
(منقول من موقع سحاب بتصرف يسير)
باسم الله الرحمان الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد؛
فإنَّ معْرِفَةَ أخْبَارِ العُلَمَاءِ وسِيَرِهِم، جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللهِ تعالى، وقد قال الإمامُ أبو حَنيفَةَ: «الحكاياتُ عن
العُلَماءِ ومَحَاسِنِهِم، أحبُّ إليَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الفِقْهِ؛ لأنَّها آدابُ القَوْمِ»، وقال بعض المشايخ: «الحكاياتُ جُنْدٌ من جنود الله؛ يُثَبِّتُ بها
قلوبَ أوْلِيَائِهِ، وشَاِهُدُه قوْلُهُ تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود : 120]».
ومن هذه الأخْبَارِ المتَعَلِّقَةِ بالعُلَمَاءِ: ذِكْرُ المُكَاتَبَاتِ والمُرَاسَلاَتِ التي تَجْرِي بَيْن أهْلِ العِلْمِ.
وقَدْ وفَّقَنِي اللهُ تعالى في هذا الصَّدَدِ، إلى الوُقُوفِ على طائِفَةٍ من الرَّسَائل المُتَبادَلَة بَيْن علَمَيْنِ مِنْ أعْلام السُّنَّة والحديث في هذا العصر،
وهما الشيخان الجليلان: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ومحمَّد ناصر الدين الألباني رحمهما الله تعالى وأسكنهما الفردوس الأعلى، وذلك أثْنَاء اطِّلاعِي على كتاب «الرسائل
المتبادلة بين الشيخ ابن باز والعلماء» لمؤلِّفِه الشَّيْخِ محمد بن إبراهيم الحمد.
وقد اشْتَمَلَتْ هذه الطُّرُوس على عِبَرٍ ودُرُوس، وتهذيبٍ للنُّفُوس؛ فإنْ شِئْتَ أنْ تَجِدَ الاجتهادَ وعُلُوَّ الهِمَّة وجَدْتَهَا، وإنْ شِئْتَ أنْ تَجِدَ دَمَاثَةَ
الأخلاقِ والآدابَ الجمَّة وجَدْتَهَا...، في فَوائِدَ أُخْرَى عَوَالٍ ، ودُرَرٍ تَتْرَى غَوَالٍ، يَجِدُها القَارِئ في طَيَّاتِ هذه المُكَاتَباَتِ.
و لا عَجَبَ أنْ تَجْتَمِعَ هذه الخصالُ الرَّفِيعَةَ في هذَيْن العالِمَيْن الجليليْنِ؛ فالشَّيْءُ مِنْ مَعْدِنِهِ لا يُسْتَغْرَبُ، كيْف؛ وهُمَا اللَّذان أحْسَنَا في
دَعْوَتِهِما وتَعْلِيمِهِما حتَّى لَمْ يَكادَا يَدَعَان للإحْسَاِن مَوْضِعاً، وسَبَقَا حتَّى جاءَ مَنْ خَلْفَهُما لَهُما تَبَعاً.
فإلَيْكَ ـ أَخِي القَارِئَ ـ هذهِ المُكَاتَبَاتِ الشَّيِّقَةِ، الَّتي تُعَدُّ مِثَالاً يُحْتَذَى في المُرَاسَلاتِ بَيْن أهْلِ العِلْمِ وطَلَبَتِه.
واللهُ مٍنْ وَرَاءِ القَصْدِ، وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.
الرسالة الأولى:
كتابٌ من الشيخ الألباني إلى الشيخ ابن باز حول ترشيح الشيخ الألباني ليَقُومَ على تصحيح نسخة «فتح الباري» المُعَدَّةِ للطَّبْعِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد ناصر الدين الألباني إلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛
فإنِّي أحْمَدُ إليكُمُ اللهَ الذي لا إله إلا هو، وأسْأَلُهُ أنْ يُدِيمَ عليْنا وعليْكُم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وبَاطِنَةً،
أما بعد؛
فقد تلقَّيْتُ منذُ أمَدٍ كتابَكُم الكريمَ المؤرَّخَ في 20 شوال سنة 1378هـ، وقد عَلِمْتُ ما فيه مِنْ عَزْمِكُم على طبْعِ «فتح الباري» طبْعَةً جيِّدَةً، وأشْكرُ لكُم
حُسْنَ ظنِّكُم بأخيكم؛ حيْثُ رشَّحْتُمُوني لأقومَ على تصْحيحِ نُسْخَتِه المُعَدَّةِ للطَّبْع، ومقابَلَتِها بالنُّسَخِ المطبوعة، والمخطوطة.
ولكنِّي أرَى أنْ تعْفُونِي مِنَ القيامِ بذلك، وتُكَلِّفُوا به غيْري؛ لا لِشَيْءٍ إلاَّ لِأنِّي أرَى أنَّ الوقتَ الذي يتطلَّبُه هذا العملُ الهامُّ، إذَا صَرَفْتُهُ
فيما هو أمَسُّ باخْتِصَاصي ـ من خِدْمَةِ السُّنَّةِ، وتمْييزِ الصَّحِيح من الضَّعِيفِ منها، واسْتِنْبَاط الأحكام، والتفقُّهِ فيها أوْلَى مِنْ ذلك.
ولهذا أقْتَرِحُ عليكم أنْ تَنْظُروا في اقْتِرَاحِنا الآتي:
أنْ تأمُروا بإرْسَالِ المَلْزَمَةِ بعد الانتهاءِ من تصحيحِها، وإعدادِها للطبع؛ لأُلْقِيَ عليها نظرةً سريعةَ؛ لعَلِّي أعْثُرُ على بعض الأخطاء؛ فأُصَحِّحَها، ثم
أعلِّقَ على بعْضِ المواطن التي يبْدُو لي ضرورةُ التَّعليق عليها، ويُمْكِنُ حَصْرُ ذلك بالأُسُسِ التَّالية:
1- التنبيه على حديث صحيح ضعَّفَه المؤلِّفُ، أو سكَتَ عنه.
2- التنبيه على حديث ضعيف قوَّاه المؤلِّفُ، أو سَكَتَ عنه.
3- التَّصْرِيحُ بالحَقِّ الموَافِقِ للكتاب والسنَّة في المسائِلِ الَّتي تَعَرَّضَ الشَّارِحُ لها بتفْصيلٍ دُون أنْ يُرَجِّحَ قوْلاً.
4-تَوْضِيحُ بعْضِ الموَاطِنِ التي تحتاجُ إلى إيضاح ـ لا سيَّما ما كان فيها ذا صِلَةٍ بالعقيدة السلفية ـ، وليس ذلك على طريقة الاسْتِقْصَاء والتَّتَبُّعِ؛ فإنَّ هذا
يَتَطَلَّبُ فرَاغاً وجهداً كبيراً، وإنَّمَا على قَدْرِ ما يتيَسَّرُ لنا.
وباختصار: نرَى أنَّ إخْرَاجَ الشَّرْحِ بهذه التَّحْقيقَاتِ أنْفَعُ للنَّاس، لا سِيَّماَ وقد بَلَغَني مِنْ مَصْدَرٍ ثِقَةٍ، أنَّ أحَدَ المغَارِبَةِ مِنَ
المُحَدِّثِين مِنَ المُتَصَوِّفَةِ، قَدْ أعَدَّ العُدَّةَ لطَبْعِ هذا الكتاب ـ أيضاً ـ، ولا شكَّ أنَّه سيُعَلِّقُ عليه تعليقاً يوجِّهُ فيه القُرَّاءَ إلى ضلالاتِه وبِدَعِهِ، التي مِنْها: حَمْلُهُ
الحديثَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَ...» قالوا: وفي نجْدِنَا يا رسول الله؟ قال: «هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ » الحديث... ممَّا يحْمِلُهُ على إخواننا المُوَحِّدِين من أهل نجد،
ويُسَمِّيهِم؛ بَلْ يُلَقِّبُهُم بالقَرْنِيين.
وهذا الحديثُ في البخاري ـ كما تعلمون ـ، أفلا ترَوْنَ ضرورةَ التَّعْليقِ عليْهِ، وعلى أمْثَالِه ممَّا يصْرِفُهُ المُبْتَدِعُون عنْ حقيقته، ويسْتَغِلُّونَهُ للردِّ
على الموَحِّدِين، وتَأْييدِ إشْرَاك الضَّالين من المسلمين؟
ثُمَّ إنَّنا نغْتَنِمُ هذه المناسبةَ لنُقَدِّمَ إليْكُم بعْضَ الاقتراحَاتِ المتعَلِّقَةِ بطَبْعِ الكتاب، حتَّى يَخْرُجَ أنيقاً مَرْضِيًّا:
1-ذِكْرُ الباب في نصف السطر.
2-ترقيم الكتب والأبواب بأرقام متسلسلة بحيث ينحصر عدد أبواب كل كتاب؛ فإنَّ ذلك ممَّا يُسَاعِدُ على الانتفاعِ من الفهارس الموضوعة للبخاري ككتاب «مفتاح كنوز
السنة».
3-إعطاءُ كُلِّ حديثٍ رقماً متسلسلاً إلى آخر الكتاب ـ وبذلك يتَّضِحُ عددُ أحاديثِ البخاري ـ على أن يكون أول السطر.
4-ذكر الباب كعنوان في منتصف الشرح.
5-ذكر الباب في رأس كل صفحة.
6-تشْكيلُ ما يُشْكِلُ من الشَّرْحِ.
7-إصدارُ كُلِّ مجلَّدٍ على عِدَّة أجزاءٍ، كما فعلوا أخيراً بلسان العرب، والطبقات الكبرى؛ تيسيراً على الرَّاغبين في شراء الكتاب أنْ يَشْتَروه.
8-تغْليفُ كُلِّ جُزْءٍ بغلاف ملوَّنٍ منْقُوشٍ، على نمط «اللسان» و«الطبقات».
هذا ممَّا يحْسُنُ لنا ذِكْرُه، ونسألُ اللهَ تعالى أنْ يُوفِّقَكُم لطبْعِ الكتاب على غايةٍ من الصِّحَةِ والكمال، واللهُ تبارك وتعالى يتولَّى جزاءَكُم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى مَنْ كان عندكُم من الشيوخ والأساتذة والإخوان.
أخوكم/محمد ناصر الدين الألباني
دمشق 28/11/1378هـ
Commenter cet article